أحمد فارس الشدياق
39
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
الجو لطخة سحاب ولا غادية أصلا ، وفصل الشتاء يبتدئ فيها منشهر تشرين الأول ، وينتهي إلى أيار ، والباقي صيف شديد ، وإن وقع في خلال ذلك يوم معتدل فتأتي فيه نفحة من الريح باردة وأخرى حارّة ، أو تكون النعور وهي من الرياح ، ما فاجأك ببرد وأنت في حرّ ، أو عكسه . وفي الجملة فإنها جديرة بأن تسمّى مخزن الرياح ، فهي لا تخلو منها باردة كانت أو حارة ، وأكثر رياحها في الصيف السافياء تأتي بغبار وتراب دقيق تطيّره على وجوه الناس ، وتدخله في الديار من خصاص « 15 » الزجاج . ومن الغريب أن الريح الشرقية التي تكون في الشتاء زمهريرا تصير في الصيف سموما فتتشقّق بها أخشاب المنازل وهي مصبوغة ، وتصرصر « 16 » بها روافد السقوف ، ويجفّ بها الزجاج ويتصلّب ؛ فيكسر بأدنى مسّ ، ويقرمد « 17 » بها الجلد والورق بل يتأثّر بها الحديد والنحاس والعظم ونحوه ، وينتن شمع الشحم فتكون الشمعة في البيت كالجيفة ، وقد تبلغ درجات الحرّ فيها فوق المائة فيقضى الومد « 18 » حينئذ باللباس الخفيف من الكتان ، وبالنوم من دون غطاء . وأكثر أهل مالطة ينامون ليلا على السطوح لكون سطوح ديارهم غير مسنّمة « 19 » بخلاف ديار فرنسا وإنكلترة ، وإذا مشى الإنسان خطوات في الصيف ، يعوم في عرقه ثم لا يلبث أن تلفحه لفحة من الريح ؛ فينبغي أن يكون أحذر من غراب . هذا ولمّا كانت أرض الجزيرة خالية عن الأجم والغياض والجبال والأنهار إذ هي عبارة عن صحن في وسط البحر فمتى أصابتها الشمس مسحتها مسحا على السواء فلا ملطا « 20 » فيها من شيء ، وربّما زاد حرّها أيضا بسبب النار التي تخرج من جبل صقلية ، ومع قربها من إيطالية فليس في ديارها رخام كديار تونس وليس في شيء منها مياه جارية كديار الشام .
--> ( 15 ) خصاص : جمع خصاصة ، وهي الفرجة ، أو الخلل . ( م ) . ( 16 ) تصرصر : تصوّت ، وتحدث صريرا . وروافد السقف : خشب السقف . ( م ) . ( 17 ) في الطبعة التونسية : يترمّد : أي يصبح بلون الرماد ، وهو أقرب إلى الصواب . ( م ) . ( 18 ) الومد : اشتداد الحر مع سكون الريح . ( م ) . ( 19 ) مسنّمة : مرفوعة كالسنام وليست مسطّحة . ( م ) . ( 20 ) الملطا : الملجأ ، والملاذ . ( م ) .